علي بن حسن الخزرجي
940
العقد الفاخر الحسن في طبقات أكابر أهل اليمن
إبراهيم « 1 » بن محمد المأربي قال : خرجت مرة من " ذي عقيب " « 2 » لزيارة الشيخ عبد الوهاب العريقي وخرج معي صاحب لي وهو الفقيه سبأ بن سليمان ، وكان ذا دين وورع فمررنا " بمصنعة سير " « 3 » فدعانا القضاة إلى طعامهم وقت العشاء فرجعنا مع الذي طلبنا فتعشينا عندهم فلما أصبحنا أزعجنا صاحبي على المسير فقلت له : ألا تقف ونرجو الغداء ، فقال : لا حاجة لنا به ، وهمّ بمفارقتي فخرجنا ولم نزل نسير حتى بلغنا " الظفر " حصن الشيخ عبد الوهاب ، فالتقانا وسلم علينا وأنزلنا في ناحية من داره وأتانا بشيء من الطعام فامتنع صاحبي من أكله فشق علي ذلك ولم أدر ما القصة وأمسينا ولم نأكل شيئا وأراد الشيخ أن يكرهه على الأكل فمنعته عن ذلك فلما نمنا شيئا من الليل إذ بصاحبي يوقظني ويقول : انظر لي شيئا من الطعام وكان من عادة الشيخ أن يتفقد الضيف بعد هجعة بشيء من الطعام فبينا نحن في الحديث وأنا ألومه على ترك الطعام ، إذ بالشيخ قد وصل إلينا بالطعام فأكلنا منه أكلا جيدا ثم قلت له : يا للعجب منك امتنعت عن الطعام أول الليل ثم أكلت الآن فما حملك على هذا ؟ فقال : رأيت ليلة أمسينا مع القضاة وتعشينا معهم أنه أتاني آت في منامي فجر برجلي ودلاني إلى موضع يشبه البئر يتوهج نارا وهو يقول لي : عاد تأكل خبز أهل سير ، عاد تأكل خبز القضاة ، وأنا أقول : لا أعود ، لا أعود أكل خبز القضاة ، فقال : احلف لي على ذلك ، فحلفني أيمانا مغلظة ، فلما أصبحت كان منى ما رأيت من الامتناع ، ثم لما وصلنا إلى هذا الرجل الجاهل ، قلت : إذا كان هذا حالي في أكل خبز القضاة وهم يعرفون ما يحل وما يحرم ، فكيف يكون حالي إذا أكلت خبز هذا الرجل الجاهل ؟ فلما نمت رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يقول لي : كل طعام عبد الوهاب فهو منا . قال : فأخبرت الشيخ عبد الوهاب بذلك فبكى وقال : لست أهلا لذلك بل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أهل الكرم
--> ( 1 ) انظر ترجمة رقم ( 40 ) ( 2 ) ذو عقيب : قرية شمال غرب مدينة جبلة بأقل من ميل . انظر . المقحفي ، معجم المقحفي ، 2 / 1097 . ( 3 ) مصنعة سير : منسوبة إلى سير التي عرفنا بها قبل قليل .